بانوراما

كتبهاسلاَمة ، في 4 أيلول 2009 الساعة: 23:53 م

 

بانوراما

يئست من حزني المبعثر على مدار أيامي… وكم تمنيت لو أن يوماً واحداً يأتي صافيا من دون حزن وقلق…

خلال العشرين عاماً التي كانت لي، كان رصيدي من الحزن كبيراً حيث ألفت غياب الأب عن البيت منذ سنواتي الست ولم يترك لي صورة أو أثراً أنوء إليه يوماً…

ولم يكن يعنيني إذا ما وظّفت أمي نفسها قائممقام الأب مع مجموعة من "البودي جاردات" من الإخوة وأبناء العمومة، فهذا أمر متعارف عليه وطبيعي كي يبقى الأمن مستقراً داخل الخلية، والعائلة في أيدي أمينة…

وأقول لا يعنيني… لأنني كنت مقيمة أصلا خارج نطاق البيت في سكن حريمي حيث دراستي الجامعية… وكان هذا شرط دخولي الجامعة

في سنواتي المدرجة تحت قائمة الطفولة كان النظام صارماً يطال أفراد العائلة وقوانين لا يمكن تحديها…

كانت نشاطاتنا تشمل الواجبات المدرسية وقراءات لمجلات تتوافر بين أيدينا وألعاب كنا نخترعها وعرائس نصنعها من بقايا أقمشة تلقي بها جارتنا الخيّاطة ولا أشطر كريستيان ديور

ولا اذكر أنني كنت طفلة مدللة أبداً، إذ كنت الركن الرابع أو السادس، لا أدري لكثرة الإجهاضات المتكررة في أسرة عددها يفوق العشرين نفراً بالإضافة إلى رتل من أرامل وعوانس العائلة…

فالتدليل لم يصلني منه ولا طرطوشة… إذ كان من نصيب الابن الأكبر وأحياناً الابن الذي يليه كانت تناله بعض من هذه الرفاهية التي تظل تتناسب عكسيا مع تزايد عدد المنضويين تحت لواء القبيلة…

 أما ما أعيه فهو ما يتعلق بحقوق الطفل التي حصلت على بعض منها، ما عدا حقوقي في اقتناء ملابس جديدة تتدلى منها شهادة الاختراع…

فالكل يعرف ما كانت تتصف به أمهاتنا من مهارات في الترشيد لكل أمور المنزل…

إذ كانت أمي تحتال علينا في تقييف ملابس إخوتنا الكبار لمن هم اصغر سنا وتعيد تدويره مرة أخرى لأجيال قادمة… أما إذا أصابه التلف في أحد أجزائه فكانت تزينه برقعة من القماش ليس لها علاقة لا باللون ولا بالمضمون…

تسرح بي الحياة وأكبر فجأة بعد سنوات حفلت بكل أطياف الحزن والوحدة والغربة التي كانت تمتزج أحياناً بشيء يسمى فلتات القدر التي كانت تجود علينا بأيام نحسن فيها استعمال ضحكاتنا البريئة…

وكان من حسن حظي أن حصلت على عريس توخيت فيه أن لا يريني النجوم إلا في الليل بقدر ما كنت حالمة وشاعرية…

ولقد أخذ على نفسه وعداً أن يحقق أولى أمنياتي بعد شهر مملٍ خلا من العسل أجهدت نفسي فيه أن أقوم بدوري على أكمل وجه وما أن قصرت في ضيافة الحماة التي رفضت كل المساعي الخيرة مني حتى جعل كل ليالي ونهاراتي مليئة بالنجوم بكل ألوانها…

لم يكن يشفع لي في البقاء سوى خوفي من العودة إلى بيت الأهل حيث الأحكام العرفية لمن تحمل شهادة يدمغ عليها "مطلّقة"…

مرت سنوات ثلاث ذات وقع مميت ليصبح في حوزتي رجل لا أطيقه وطفلان أتونس بضحكتهما وأشعل روحي المتعبة من أجلهما…

لكن استمرار الحياة على هذه الوتيرة لم يطب لي، فاغتنمت أول صهلة من الشجاعة وقدمت استقالتي من وظيفة استعبدتني وحملت على عاتقي طفلان وبعض من هموم تراكمت مرارتها  لتضيف لسنين عمري عمرا آخر…

بدوت كمن خرج من سجن…

استعدت حريتي وشبابي ومهنة كنت قد ركنتها جانباً ولم افطن أن قطار عمري قد جاوز الأربعين إلا عندما كبر الأطفال وأصبحوا في سن تسمح لهم بتركي واللحاق بمستقبلهم فشدّدت العزم أنا الأخرى كي الحق ببقية عمر تهاوى…

أكملت دراستي وحصلت على الماجستير ثم يممت نحو الدكتوراه و لم يكن لي هدف من ذلك إلا أن أشغل وقتي وأتبع حلماً كان يرسمني معه…

أقمت داراً للحزانى وما أكثرهن…

وأعلنت عن جائزة لأروع امرأة تمنع وقوف الزمن النابض فيها وتقوى على الجراح…

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول